وهم الموضوعية (في الدراسات الإنسانية) محاولة للفهم

وهم الموضوعية (في الدراسات الإنسانية) محاولة للفهم

ان الموضوعية التي يفترضها منظروا البحث الكمي ، والتي تنطلق من امكانية ضبط التجارب في المعامل، تعتبر جزء من المذهب الطبيعي في الفلسفة – والتي تحاول التفريق بين ملاحظة التجربة من خلال سياق منتظم، او من خلال سياقها الطبيعي. بمعنى أن المدرسة الفلسفية تفترض بالباحث أن يكون (مستقلاً – حيادياً) وأن لا يكون لديه اهتمام معين بنتائج (محددة).

فمن مستلزمات ذلك أن ننبه أن طرق الاستقصاء المتبعة، وطريقة الضبط في كل موقف بحثي، يكون خلفها بعداً فلسفيا، قد لا يدركه  الباحث المبتدئ، وإن اتقن العمل تحت شروط واجراءات المنهجية المتبعة.


 وقد أكد الفيلسوف النمساوي بول فييرآبند الذي أدرك أن وثوقية العلم وصدق المعرفة العلميه لا يعتمد على مجموعه من القوانين والمناهج العلميه الثابته، وإنما تلعب الخلفيات المعرفيه والاجتماعيه والايدولوجيه والمعايير الأخلاقيه دورها في التفسيرات التي يهتدي لها العلماء وفلاسفة العلم للظواهر والنظريات العلميه فانتفت مقولة الموضوعيه المحايده في العلم. لأن تقبل العالم لنظريه ما يعني اعتقاده أن النظريه التي يبرهن على صحتها هي أفضل نظريه متاحه في موضوع بحثه فمثلا التعاطف كقيمه معياريه أخلاقيه قد تلعب دور فعالا في قبول أو فرض علمي ما أو نبذه فتعاطف عالم نحو فرض مقترح قد يساعد على تقدم العلم قدما (نقلا من:
الموضوعية والذاتيه في البحوث العلمية)

إن وهم الموضوعية أو اللهث خلف هذا السراب، نتاج لطبيعة المجتمع البحثي، الذي وضع السياق الطبيعي للتجربة وملاحظة الباحث لها في منزلة أقل من السياق المنتظم المتحكم فيه داخل أروقة المعامل، مما جعل أصحاب المجلات العلمية المحكمة، ومصادر التمويل، او اللجان الأكاديمية لرسائل الدكتوراه، لا يتعاملون مع البحوث النوعية بمحمل الجد، ولا يسعون لتعزيز البحث المبنى على السياق الطبيعي، مما أوجد ضغنا في نفوس الباحثين فبدأو باستخدام الأدوات التي طورها الكيميائين والبيولوجيين، الغارقين في بحر المعامل، والذين دأبوأ على انكار الأخذ بخبرة المبحوثين كمصدر للمعرفة، ربما يستساغ ذلك لان ما بين أيديهم هو مجرد خلايا عضوية ميتة، او تفاعلات كيميائية – لا تكترث بالتجربة الإنسانية.

ومنذ ذلك الحين، بدأ الاهتمام أكثر بمعرفة ماهو حقيقي، والبحث عن الحقيقة، ونشأت المصطلحات الموهمة، مثل (التجرد – الموضوعية) ، لتكون مجال أخذ ورد خلال عقود من الزمن، وتتعدد النماذج الارشادية (Paradigm) ,والتي ترسم للباحث طريقاً مرشدا للوصول إلى ما يطمئن إلى أنه معرفة حقيقة بلب المشكلة، او القضية المطروحة للبحث.

إن من أبرز الإشكلات التي تورد في هذا الطرح هي:

  1. إن التصور التجريبي (المعملي) يصعب تطبيقه على كثير من الحراك الانساني، في الشركات الكبيرة، المدارس، مستشفيات الامراض النفسية وغيرها، وهذه هي المواقع التي ينادى بتعزيز الدراسات النوعية بها (خصوصاً بعد عقود من الدراسات الكمية) لذلك نشأت فكرة المنهج شبه التجريبي، واستحالة تطبيق المنهج التجريبي بحذافيره في الدراسات الإنسانية أو التربوية على وجه الخصوص.
  2. ليس هناك الإ قدر ضئيل جداً من الطبيعة فيما يتعلق بأفعال البشر، وملاحظة الباحث لها، ينعدم فيه الضبط التجريبي المعملي.
  3. إن ترقية المختبر والطريقة التجريبية، وكل ما تنتجه هذه الأفكار من نتائج، إلى مستوى موضوعي بحت، حيث يفترض ترك قيم وتحيزات الباحث جانباً، وحيث الافتراض بأن الضبط الإحصائي يضمن الصدق والموضوعية، تعد من المشكلات الكبرى المؤدية إلى وهم الموضوعية، والتي ساهمت بانتشار ثقافة البحوث الكمية – واتساع مفرداتها حتى أصبحت مكوناً أساسياً لما يأتي بعد ذلك من المدارس الحديثة .
  4. الموضوعية التي يقدم لها في كتب المناهج في العلوم الانسانية،تعد اسطورة، فليس هناك تجربة أو سؤال بحثي، وما يتبع من ذلك من تفسير للنتائج، يمكن أن يصنف بأنه حقيقة موضوعية مجردة (بالمعنى الحرفي). إن جميع أنواع المشكلات التي نهتم بها،والأسئلة التي نطرحها، ونوع البيانات التي نسعى لجمعها، والتحليلات التي نجريها، جميعها تنبثق من سياق معين، سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً أو شخصياً.

لذلك فإن هذه النماذج الارشادية، هي من صنع البشر وهي نتيجة لسياقات فلسفية، وثقافية، واقتصادية نشأت إبان الثورة الصناعية التجريبية، والتي تعتمد على العلم التجريبي المعملي، لذلك فقد أكد أيزنر Eisner ٫ بأن جميع أشكال الاستقصاء لها ميزاتها الخاصة بها، ومحدودياتها، وتحيزاتها. وللطرق تأثير مقيد لما يبحث عنه الباحث، وأكد ذلك، بأنه ليس هناك شيء أكثر انتقائية من الإدراك“. فآلية بحثنا وتفكيرنا نحو المشاكل وإيجاد الحلول لها غالباً ترتبط بما نعايشه وبخبراتنا المتراكمة مع الزمن داخل السياق الثقافي الذي نعيش فيه. 

ولتأكيد ذلك سنعرض في نهاية المقال مقطع فيديو يوضح ذلك

لذلك فإن الطرق النوعية التي تفترض أن ذاتية الباحث ربما تكون مصدراً مهماً للتجربة الإنسانية واندماج الباحث قد يؤدي إلى رسم صورة أكبر وأعمق للمشكلة ويفيد في استيعابها، ويمكن أن تنتج بحوثاً ثرية (في التجربة الإنسانية) وقابلة للنقل إلى مواقف وحالات مشابهه وصادقة، وذات عمق معرفي

       في كتابه المميز (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) يرى الدكتور محمود شاكر ان موضوعية الباحث مرتبطة بثلاثة أمور هي: اللغة التي نشأ فيها صغيرا، والثقافة: التي ارتضع  لبانها يافعا، والأهواء والمنازع التي يملك ضبطها أو لا يملكه بعد أن استوى رجلاً مبيناً عن نفسه، وفند الكاتب مقولة بعض المتشدقين المموهين من أمثال طه حسين الذي جاء في كتابه ((في الشعر الجاهلي):أن القاعدة في منهج ديكارت هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل ، وأن يستقبل بحثه خالي الذهن تماماً مما قيل من  قبله، وقرر محمود شاكر: ان هذه قاعدة لا أصل لها، وتكاد تكون بهذه الصياغة كذباً مصفى لا يشوبه ذرو من الصدق، بل هو بهذه الصورة خارج عن طوق البشر، هبه يستطيع أن يخلي ذهنه خلواً تاماً مما قيل، وأن يتجرد من كل شيء كان يعلمه من قبل، أفمستطيع هو أن يتجرد من سطوة(اللغة) التي غذي بها صغيرا، (نقلاً عن: موضوعية البحث العلمي عند الدكتور محمود شاكر )

وجدلاً نقول: هل يمكن لنا تطبيق النموذج الطبي في التجارب (لاختبار الحلول في الحقل التعليمي)؟

يلخص لنا ريفز (Reeves, 2004) ذلك بالأتي:

  • تطبيق التجارب التعمية المزدوجة (Double blind experiments) في حقل التعليم (أمر مستحيل)
  • إختلاف التنفيذ يقلل من أثر العلاج (التدخل من الباحث)
  • لا يمكن تحديد عوامل سببية للمشكلة بسهولة، أو إيعاز وجود مشكلة معينة لسبب محدد منعزل (مثل الحقل الطبي، الذي يمكن ضبط تلك المتغيرات فيه)

وفي ختام هذه المقالة فإن لكل طريقة مميزاتها ونقاط ضعفها، فلا يصح ممن تحمل مسؤولية النهوض بالعلم (والسعي نحو الحقيقة) أن ينحاز إلى طريقة يعتقد أنها هي الوحيدة في تناول قضايا الصدق والثبات، وأنها تستيطع أن تقدم بحثا موضوعيا مجرداً يعالج مشكلات انسانية معقدة. ولعل هذه المقالة تحرك المياه الراكدة وتثير تساؤلات عن مدى الإستفادة من الطرق الكمية المتبعة في البحوث الإنسانية، فقد تم الاعتماد شبه الكامل على تلك الطرق، وآن الأوان على الإبحار إلى الضفة الأخرى من البحيرة وتعزيز الطرق النوعية، ودعم هذه الطريقة والتشديد على الإرتقاء بجودة البحوث المقدمة بها.

بتصرف من كتاب (مترجم): 

علام، صلاح الدين (٢٠٠٧) البحث النوعي في علم النفس، منظور موسع في المنهجية والتصميم.

Qualitative Research in Psychology, Expanding Perspectives in methodology and Design.

لمزيد من القراءة في هذا الموضوع:

١- ظهور مصطلح الموضوعية وأفوله

٢- موضوعية البحث العلمي عند الدكتور محمود شاكر

٣- الموضوعية: استبدال مصطلح، وإصلاح مفهوم

 

 

ولمعرفة أثر المعرفة السابقة على تحيز التفكير إليكم هذا  المقطع من قناة (مدرسة إكس) 

دقائق مع مفهوم (13): هل نحن نرى الواقع كما هو؟

ما كتب أعلاه يمثل (وجهة نظر شخصية) قد لا تكون مناسبة للكثير ممن ينتسبون للحقل المعرفي ولكن لعل في النقاش ما يزيد الموضوع ثراءاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

نأمل أن تكون هذه التدوينة قد نالت استحسانكم

نشكر لك قراءة هذه التدوينة ونأمل مساعدتنا على نشرها ، وتقويمها إن كان بها أخطاء

د. عبدالرحمن البلادي

حسابي في تويتر

مركز التعلم الفعال
للخدمات الأكاديمية
(لمعرفة المزيد عن خدماتنا، اضغط هنا: تدقيق لغوي ،  قبولات ، ترجمة أكاديمية ، تدريب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Scroll to Top